الصفحة الرئيسية › ثقافة

ثقافة فيلم "بكمة" لعبد الحميد بوشناق: صراخ صامت في أزقة العاصمة... عن الكلاب والسلطة وعتمة المدينة

نشر في  17 أكتوبر 2026  (19:27)

بقلم: سناء الماجري

​في الليل، حين تطبق المدينة على أنفاسها وتغرق في سبات ثقيل، تتفتح عيون أخرى في العتمة.. مدينة مهجورة تبدو أشبه بمسرح لجريمة كبرى، لا يكسر وحشة أزقتها المظلمة والفارغة سوى صدى الرصاص المتقطع ونباح الكلاب الهائمة في الشوارع الموحشة، وأنين المشردين على الأرصفة المعتمة.

وخلف الأبواب المغلقة والتقارير الرسمية الصامتة، تُرتكب أبشع الجرائم في حق الحيوانات والكلاب السائبة، بينما يغرق المجتمع في صمت مطبق، مسدلا عينيه وأذنيه عن هول الحقيقة. ومن قلب هذا العتم المثير للذعر، تتصاعد الأحداث في فيلم "بكمة" للمخرج عبد الحميد بوشناق ليكتشف المشاهد شخصية غامضة تدعى "ياسين"، قاتل متسلسل تنطلق رحلته الدموية باستهداف الكلاب السائبة، قبل أن تتطور الحكاية بنقلة صدمية حين تكتشف جثة آدمية برأس كلب، لندرك تماما أننا أمام نفسية مريضة لا تكتفي بالإجهاز على الحيوانات، بل تمارس تقطيع الأجساد البشرية وخياطتها لتكوين مسوخ هجينة من أشلاء مختلفة.

​في خضم هذا التصاعد الدرامي، يعتمد المخرج عبد الحميد بوشناق على تقنية الفلاش باك ليغوص بنا في الجذور النفسية للقاتل ياسين وعلاقته المعقدة بوالدته، حيث تعرض للتقريع والتنمر الشديدين في صغره، لينتقم منها بقتل كلبها المفضّل، وهي الحادثة التي تسببت في فقدانه لحاسة السمع وتعرّضه لتنمر أشد بات فيه الجميع ينادونه بـ "الكلب". هذه الاستهانة المتكررة زرعت في ذهن ياسين رغبة مرضية في التماهي مع صفات الكلب، ليتحول هذا الاضطراب السلوكي إلى متعة سادية في ممارسة العنف، والتفنن في التقطيع، والتغذي البصري على رؤية الدماء.

​هذا البناء السيكولوجي يستحضر ببراعة تقاليد السينما النفسية وعوالم الرعب الدموي (Gore) العالمية التي أسست لـ "عقدة الطفولة"، بدءً من سينما الإيحاء والتشويق عند ألفريد هيتشكوك الذي وظف عقد الخوف والذنب الناجمة عن صدمات الطفولة لتفسير الانحراف النفسي لشخصياته المأزومة، مرورا بأسلوب ديفيد فينشر في تفكيك دوافع القتلة المتسلسلين ورصد تأثير البيئة المشوهة وجرائم الطفولة على خروج الوحش البشري من مكامنه (كما في Seven وMindhunter), وصولا إلى المعالجات الدموية الصريحة لرواد سينما الـ Gore والتعذيب مثل إيلي روث في Hostel وتوبي هوبر في The Texas Chain Saw Massacre، وكيفية تحول ضحايا التنمر والإساءة المبكرة إلى جزارين بلا رحمة (على غرار ما قدمه روب زومبي في إعادة تصويره لشخصية مايكل مايرز في Halloween), تماما كما صور بوشناق مسار تشكل "ياسين".

​على الضفة المقابلة من الجريمة، يتابع العمل خط التحقيق عبر شخصية الشرطي خالد، الذي يصارع إدمانه للكحول وتحطم نفسيته إثر فقدان ابنته في حادث أليم، حيث يحاول برفقة رئيس المركز "سي علي" فك رموز العلاقة بين قتل الكلاب وسلسلة الجرائم التي تطال المتجولين ليلا والمشردين. غير أن خالد يجد نفسه متورطا في العصب الحيوي للقضية، حين يكتشف أن القاتل يتعمد جره إلى الحلبة واللعب على أوتار عقده النفسية المهتزة أصلا.

وتستمر الأحداث في التصاعد عبر جرعات كثيفة من الرعب الدموي (Gore) القائم على التشريح الفجّ والمشاهد الصادمة للقطع الجراحي التي تحيلنا إلى المدرسة البصرية الفجة لعراب المؤثرات الخاصة توم سافيني وجورج روميرو، حيث يغرق بوشناق الشاشة بأنهار من الدماء والتشريح الشديد الواقعية لدرجة دفع بعض الحاضرين لمغادرة القاعة.

​وحتى إن حاول المتفرج إغماض عينيه للتملص من وحشية المشاهد، فإن الشريط الصوتي والموسيقى التصويرية التي صاغها حمزة بوشناق تحاصره إمعانًا في الرعب، إذ تعمل الموسيقى هنا كمحرك تنفيذي للتوتر يستنفر الخيال البشري لتصور ما يحدث خلف الشاشة، في إحالة صريحة إلى عبقرية برنارد هيرمان (موسيقار هيتشكوك في فيلم Psycho) وجون كاربنتر (في Halloween), اللذين حوّلا النوتات الموسيقية إلى خناجر صوتية تضاعف منسوب الرعب وتجبر المشاهد على مجابهة الخوف.

​من الناحية الفنية، يتجلى المستوى الإخراجي المتطور جدا الذي بلغته تجربة عبد الحميد بوشناق، إذ أنجز الفيلم وفق معايير بصرية هوليودية عالية الدقة، سواء عبر التكوينات الكادريّة، أو التحكم البارع في الإضاءة القاتمة، أو حسن اختيار الأماكن المظلمة والديكورات العاكسة للخراب الداخلي.

وقد توج هذا التميز البصري بالنجاح الفائق لفريق المؤثرات الخاصة والماكياج السينمائي (FX Makeup) في تجسيد مشاهد القتل والتشريح وتركيب الأشلاء بدقة متناهية أقنعت المتفرج بواقعيتها، مستلهمين تقنيات كبار صانعي المؤثرات الدموية في هوليوود، مع الإشارة إلى أن العملية تمت تحت إشراف طاقم بيطري متخصص لتخدير الكلاب وضمان سلامتها دون تعريض أي حيوان للأذى خلال التصوير.

كما يحسب للمخرج ذكاؤه في إبقاء ملامح القاتل "ياسين" محجوبة حتى النهاية، مما منح الخيال الجماعي للجمهور مساحة واسعة لرسم تفاصيل هذا الوحش الشرير.

​في سياق القراءة التفكيكية للشخصيات، يتوقف العمل عند شخصية الصحفي المستهتر والسكير، وهي شخصية حمالة أوجه، فإما أن بوشناق أراد توجيه نقد لاذع لواقع صحفي يستسهل التعاطي مع الجرائم اليومية ولا يبالي بما يحدث في الهوامش، وإما أنها رسالة سياسية مبطنة مفادها أن السلطة تسعى جاهدة لجعل الصحفيين صما، بكما، وعميا، وتتأكد هذه القراءة عندما يقع الصحفي ضحية للمجرم ويفقد حواسه من سمع وبصر ونطق، في رمزية سينمائية مكثفة تصب في مجرى الرسالة المركزية للفيلم.

​إن فيلم "بكمة"، وإن بدا في ظاهره عملا يدافع عن حقوق الحيوان ويندد بإعدام الكلاب السائبة، إلا أنه في عمقه تشريح لسيكولوجيا المدينة التونسية وأزقتها الخلفية، وكشف للفصام (السكيزوفرينيا) الذي يعيشه المواطن الذي يندد بالقتل على منصات التواصل الاجتماعي بينما يشارك بصمته في الجرائم الواقعية. فالصمت في عرف الفيلم خيانة صريحة، وهو ما جسده بوشناق في المشهد الختامي حين وجه البندقية نحو الجمهور مباشرة، واضعا الجميع أمام مسؤوليتهم الأخلاقية.

​وعلى أتم العتبة الدلالية للعمل، يبرز عنوان الفيلم "بكمة" كمفتاح تأويلي عالي الكثافة، فهل المقصود هنا "البكمة" الحيوانية بالعامية التونسية، تلك الكائنات العاجزة عن النطق والتعبير والمغلوب على أمرها في مهب الشوارع؟ أم أن "البكمة" تحيل ضمنيا إلى ذلك الإنسان الذي تحول بسكوته إلى "أبكم"، غير قادر على النطق بالحق أو الصراخ بوجه الجرائم التي ترتكب في غياهب الليل؟ إنه عنوان حمال معاني ودلالات، واستخدامه لم يكن اعتباطيا من المخرج، بل جاء ليؤكد أن العجز عن الكلام هو الوجه الآخر للجريمة.

​رغم التميز الإخراجي الذي رفع سقف التطلعات في السينما التونسية، إلا أن الشريط لم يخل من بعض التناقضات على مستوى البناء الدرامي، إذ ان محاولة إيصال رسالة إنسانية ترفض العنف ضد الحيوان عبر مجرم مريض يمارس القتل والتقطيع الوحشي، جعلت معالجة "العنف بالعنف" تفقد جانبا من مصداقيتها التعبيرية.

كما أن لجوء بوشناق إلى الخطاب المباشر والواضح في الخاتمة حرم العمل من الغموض الذي يفضل أن يكتنف أفلام الرعب النفسي، حيث كان من الأفضل ترك المتفرج يستكشف الرسالة بمفرده، أو إنهاء الفيلم عند نقطة الصدمة التي يكتشف فيها الشرطي خالد أن دوافع القاتل ممتدة إلى تنمر قديم في الطفولة، وأن قتل زوجته لم يكن سوى حلقة من حلقات الانتقام الشخصي منه.

​ختاما، يظل "بكمة" تجربة سينمائية فارقة صدمت السائد وهزّته، فلم تكن مشاهد الرعب والدم في الفيلم مجرد استعراض مجاني للعنف، بل كانت أداة بصرية حادة وواضحة جدا لمواجهة مسوخنا الداخلية، تجبر المتفرج على النظر إلى نفسه ومجتمعه بوضوح تام، ورؤية الخوف، والصمت، والتواطؤ الذي نخبئه جميعا بداخلنا دون تجميل أو مساحيق. الفيلم يعكس الواقع البشع والتناقض النفسي (السكيزوفرينيا) للجمهور بكل دقة ووضوح، تماما كما تعكس المرآة المجلوة المصقولة ملامح الوجه التفصيلية.